شهادة حياة
شهادة حياة..
------------------------------------------------------------------------------------------------------------
الزمان: الخميس 1/12/2011 الساعة 11 صباحا
المكان: احدي الوحدات العسكرية بالجيش المصري
حوالي سبعين فرد –مجند سابقا- واقفين في ساحة كبيرة، كل واحد قدامه بطانية مفروشة علي الأرض و عليها كمية هدوم و غيارات و جزم...الخ –مهمات عسكرية- و فيه راجل واقف قدام كل دول –صف ضابط أو صول- و دوره انه يتأكد ان كل فرد مهماته كاملة.
-الصول: كله معاه فوطة؟...طيب كله يرفع الفوطة فوق
-الأفراد تمام يا افندم
-فرد من الأفراد، أنا مش معايا فوطة
-الصول: كل اللي مش معاه فوطة يكتب اسمه في الورقة دي
و ده كان الحال مع ال22 حاجة اللي فاضلين، من طقم مموه، لبيادة، لطقم ترفيهي...الخ وطبعا كل فرد ناقصه حاجة بيكتب اسمه في الورقة.
-الصول: كدة كل اللي ناقصه حاجة كتبها؟ طيب الفوطة 5جنيه، البيادة 20 جنيه...الخ، علشان نبعت المندوب يكمّل المهمّات...دلوقتي كل واحد يطبق مهماته تاني و يحطّها جوا المخلة و يقفلها بقفل نحاس ليه 3مفاتيح وميدالية عليها اسمه و رقمه العسكري.
-الصول: كله قفل المخلة؟...كل واحد يسمع رقمه ييجي عند المخزن علشان يشيل المخلة بتاعته...علشان لما ييجي تاني يلاقي حاجته كاملة.
و اللي ما يعرفش المخلة، هي مفرد كلمة "مخالي" الشهيرة في فيلم اسماعيل يس في الأسطول "مخالي شِل يا عسكري" و هي كيس قماش أخضر كبير بيشيل كل حاجة وبكل كمية.
المهم، الأفراد شالو المخالي في المخزن وراحو بعد كدة قبضوا مكافأة نهاية الخدمة "12 جنيه" و بعدين طابور تاني علشان يستلموا....."شهادة تأدية الخدمة العسكرية"
------------------------------------------------------------------------------------------------------------
الزمان 27/11/2011
المكان: احدي المقاهي المصرية مع بعض الأصدقاء
كنت قاعد مع أصحابي بنتكلم عن الدنيا و الشغل والجواز و حال البلد و المجلس...الخ من مواضيع متداولة يوميا في القهوة. الغريب في اليوم ده، اني ماكنتش مركز قوي في الكلام و سرحان كدة، فالتفت أحد الأصدقاء قائلا...
-كريم (كارسر): ايه يا "مونت" أنت روحت فين؟
..."-ماهر (مولي): سيبه يا عم أصله مش مصدق، كلها 3 أيام و ياخد البراءة...هايخلص جيش يا عم خلاص و يبطّل يقرفنا بقي "سالكة يا مونتو".
-العبد لله: يا جدعان أنا فعلا مش مصدق...سنة كاملة أخيرا عدّت، كلها 3 أيام وأخد الشهادة بقي و أبقي حر، أسافر شهر كدة برا مصر أغير جو، بعدين أرجع أشتغل و أجيب عربية جديدة و..."شلال أحلام و اتفتح يا ريّس"
طبعا الموقف متوقع; ضحك من الجميع، علي شوية افيهات من اللي قلبك يحبها.
------------------------------------------------------------------------------------------------------------
عودة الي طابور الشهادات،
الأفراد واقفين طابور وكله مرسوم علي وشّه ابتسامة غريبة. ابتسامة صغيرة كدة بس كلها معاني...يا تري دي ابتسامة الفرحة ان أخيرا الفترة دي خلصت، ولا ابتسامة شفقة علي حال كل واحد استرجع شريط ذكريات سنة أو أكتر في دقيقة، ولا ابتسامة أمل
في بكرة و ان حياة جديدة هتبدأ خلاص...
الصول: فلان فلان الفلاني...مبروك
فلان: يروح يوقع ويستلم شهادته والفرحة مش سايعاه، و بقيت الأفراد حواليه "مبروك يا عم"، "كفّارة"...فرحة غريبة تغمر المكان.
هكذا استمر الوضع حتي جاءت اللحظة الحاسمة...
-الصول: أحمد صلاح عبدالحليم...أحمد صلاح عبد الحليم.
-العبد لله: ايوة، جري طبعا عالصول و ضحك و فرحة عارمة...ما دي اللحظة اللي مستنيها بقالي 13 شهر و نص...أخيرا جت، أخيرا هاخد الشهادة و طيران من هنا، و مش عايز أشوف وشّك تاني يا "حالصول" ولو حتي صدفة
------------------------------------------------------------------------------------------------------------
بعد المقدمة الطويلة المملة دي، ممكن أدخل في الموضوع...
الفكرة بكل بساطة، ان بعد اللحظة الحاسمة –اللي فوق دي- ب 5 دقايق بالضبط مابقتش حاسس بأي فرق..عادي، ماسك ورقة عادية و متغلفة بورق شفاف و مكتوب عليها اختصارا "يشهد المجلس الأعلي للقوات المسلحة، أن الجندي أحمد صلاح عبد الحليم قد أدي خدمته العسكرية بحسن سير و سلوك" و أختام بقي من كل حتة و حاجة أخر جمال، بس...عادي، أيوة عادي، روّحت البيت زي ما بروّح أي يوم، أخدت دش و ريّحت شوية و نزلت أكيد قعدت عالقهوة، القاعدة زي ماهي، الناس هي هي، الضحك زي ماسبته امبارح...مافيش حاجة اتغيرت.
طيب، فين يا عم الأحلام والسفر و الفرحة اللي ماكنتش قادر تقعد علي بعضك منها...أقولك مش عارف، أقولك خلاص الحمد لله، قُضيت...ما احنا ياما أخدنا شهادات، و ثانوية عامة و هندسة...و كله عدّي. يعني ببساطة كدة السنين بتعدي و بنتعب بس علشان ناخد شهادة بكام ختم مكتوب عليها اسمنا و تقدير أو درجة أو موقف...هو ده يعني، هي دي ترجمة التعب...الورقة دي ؟!
ده كان شعوري بعد ما خلصت جيش بكام ساعة، ده كان تفكيري ساعتها...و ده أكيد مش صح...لأن المكسب كله مش بيبقي في الورقة دي، المكسب بيبقي في الخبرة اللي الواحد بياخدها، الكَيف اللي الواحد بيتعلمه و الأهم من كل ده الصبر والأمل علشان توصل لليوم اللي هتاخد الشهادة دي و تحطها في "الملف الخاص" جنب اخواتها...و أكيد المكاسب أكتر من كدة، و الورقة دي "ماهي الا اثبات و فخر يلخص ليك كل المعاني و التعب و الذكريات اللي مريّت بيها علشان يبقي عندك "شهادة في ملف خاص.
المهم بقي اللي جه في دماغي ساعتها، ان كل فترة وليها شهادتها...طيب والفترة الكبيرة كلها علي بعضها، حياتنا كلها، بتتلخص في شهادة برضو؟ أقولك أه، ماسمعتش عن "شهادة الوفاة" دي بتثبت ان فلان اتولد سنة "كذا" و تُوفي سنة "كذا" و عاش عدد "كذا" من السنوات، اهو بكل بساطة الانسان كله علي بعضه اتلخص في شهادة!
النقطة اللي عايز أوصلها من الكلام ده كله هي الشهادة دي، المفروض يبقي اسمها "شهادة حياة" مش وفاة، لأنها بساطة بتوثق كل اللي الانسان عمله و هو عايش...بس للأسف مش كل حاجة بينفع تتكتب في الشهادة دي، في حاجات بتتساب مكتوبة في قلوب وحياة ناس تانية...في واحد هيفتكرك ويقول "والله فلان ده كان كويّس و جدع، ده ياما عمل و عمل و عمل و تلاقيه راح قاريء الفاتحة و داعيلك" و فلان يقول "ده كان صاحبي قوي، ماكنتش باخد خطوة غير و رجلي علي رجله" و هكذا الحال و أكتر مع ولادك أو أبوك و أمك و أخواتك.
شهادة الوفاة دي بتاعة الحكومة، لكن أنت ليك "شهادة حياة" كبيرة، بتكتب فيها في صفحة كل واحد عرفته أو حتي قابلته من يوم ما وعيت عالدنيا، بتكتب في صفحة ولد صغير علمته ازاي يقرأ أو ازاي يصلي، بتكتب فرحة و بهجة لبنت صغيرة علمتها ازاي تفرح، بتزود لأبوك و أمك في صفحاتهم انهم يفتخروا بيك، و بتسيب بصمة كبيرة قوي في قلب حد حبيته واديتله كل المعاني اللي يعرف يحب بيها من بعدك، هي دي الشهادة...شهادتهم ليك أو عليك، شهادة أفعالك و أعمالك ليك، لنفسك قبل أي حد تاني، هو ده التقدير و الدرجات.
بايدك لما تموت تشوف امتياز أو راسب في شهادتك، باييدك الناس تفتكرك و تقول الله يرحمه، دي الشهادة الوحيدة في حياتك اللي ممكن أنت اللي تكتب فيها، و أنت بس ومش لازملها ختم نسر ولا غيره...بشهادتك دي هتقابل رب العباد، بشهادتك دي هاتتسئل بعد ما تدّفن، بشهادتك دي قبرك هيبقي روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار...بالشهادة دي ان شاء الله تدخل الجنة...أو النار والعياذ بالله.
تاني نقطة جاتلي وأنا بأفكر في موضوع الشهادة هي ..عادي، عادي ان السنة خلصت و أخدت الشهادة...مافيش حاجة ما بتعديش، والدنيا برضو بتعدي..كنت مستني الشهادة بفرحة غريبة ولما أخدتها ماحستش بالفرحة دي،الفرحة جت وراحت في لحظة...زي بالضبط ما كنت طول عمري بخاف من الموت وشايل همّه قوي، بس دلوقتي بقيت متأكد انه عادي...لحظة و هتيجي وهتعدّي زيّها زي غيرها...بس ماتنساس هتعدي بسرعة أو ببطء ده حسب شهادة حياتك...شهادة أفعالك عليك...
يبقي ياريت مانخافش من الموت، و ننوي أننا نعمل و نعمل فعلا علي قد ما نقدر علشان نسيب أحلي تقدير في الشهادة الوحيدة اللي فعلا خاّصة بينا. أسف علي الاطالة، والفاتحة والدعاء لكل الأموات...نقطة
أحمد صلاح
17/3/2012

.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق