أَنْصَاف اَلْضُرُوسْ


أَنْصَاف اَلْضُرُوسْ..


"اللعنة علي أنصاف الأشياء"
هذه هي الجملة الأكثر تداولا في فكري وأحيانا في كلامي وتعليقاتي، هذا لأنه ببساطة ماكرهت في حياتي شيئا مثلما كرهت تلك الأنصاف.

فمن المؤسف أن تجد عندك دوما أجزاء من شيء ما، ولا تجد أبدا الشيء كاملا قائما بذاته. والأكثر أسفا والمخزي أن تجد في الحياة، بل في معاملاتك اليومية أنصاف أشخاص .. أو بالأحري أنصاف رجال.

الرجولة صفة عظيمة إن توافرت في الشخص، رجلا كان أو إمرأة. فعندما تجد أنك تتعامل مع نصف فقط أو تشعر أن هذا الشخص اليوم شكلا وغدا شكل آخر وبعد غد شكل مختلف، ينتابك احساس بدنو الآخر، أو جنون العالم حواليك.. أو تدرك أنك علي أعتاب اختلال ذاتي.

عودة إلي الضروس. أنا شخص أعاني من ألم في أسناني وضروسي منذ فترة طويلة، تكاد تكون سبع سنوات كاملة. بدأت تلك السنوات بألم شديد في هذه السِنَّات وكأي شخص طبيعي توجهت من فوري إالي تلك الطبيبة المعنيّة بعلاج هذا النوع من الألم. وسِنّة فسِنّة .. ثم ضرسا فضرس .. فحشو مؤقت .. فحشو دائم .. فعلاج الجدور بقتل أعصاب الضروس ثم تغطيتها بما يسومنه "طربوش"للحفاظ علي ما تبقي من الضرس.

بعد هذا الدرس والرحلة الطويلة التي قد تحتاج الي ثلاث أو أربع جلسات علاج لإتمام الرحلة، حدث نفس الألم مجددا مع ضرس آخر .. ثم آخر .. ثم آخر، إلي أن وصلت إلي ما يقرب من الخمس ضروس التي تحتاج إلي نفس الرحلة الطويلة. وقد كان، فقامت الطبيبة باتباع نفس الخطوات لعلاج تلك الضروس المصابة وحاربت هذا السوس المنتشر بقتل الأعصاب نهائيا حتي لا يجد الآخر ما يتغذي عليه.

ما اختلف في هذه الرحلة أن الطبيبة نصحتني بترك اثنان من تلك الضروس دون الحاجة الي وضع طربوش يحميهما وأن نكتفي بحشو دائم لهما علي أن نلجأ مستقبلا الي تغطيهما بما يحميهما. حدثت هذه الرحلات منذ حوالي أربع سنوات، كان خلالها يأتي الألم حينا ويذهب حينا. متسلحا بمسكنات الألم عبرت تلك السنوات الأربع بإنتصار تام علي الألم ولكن مهزوما بما لم يكن في الحسبان. ففي تلك الفترة الطويلة بدأت أشعر باضطراب في هذين الضرسين أثناء الأكل، كنت أجدهما كشجرتين قائمتين في وسط الريح تحاربان من أجل الصمود ولا تجد مكانا آخر للملاذ، فقد كُتب عليهما أبدا البقاء في هذا الفراغ .. فإما تصمدان أبدا .. وإما أن تخلع الريح أصولهما وأوراقهما وتقصفان عودهما..

هذا بالضبط ما حدث مع ضرسيّ، فأكلة بعد أخري بدأت الضروس تضعف شيئا فشيء، بدأت أسمع أحيانا أصواتا مثل "كررششش" وأجد أن جزءا من الضرس قد انهزم وسقط كمن رفع الراية البيضاء نهائيا ومن غير رجعة، ثم أجد بعدها هذا الحشو الدائم .. دائم ولكن ليس في فمي، فلقد اختار الحوض مكانا ليستكمل فيه رحلته معلنا العصيان علي ما تبقي من ضرسي، وهكذا الحال مع الضرسين حتي سقطت معظم الأجزاء وهجر الحشو ولم يتبقي سوي أنصاف ضروس ضعيفة بائسة لا تقوي علي مواجهة ما يقدم لها من طعام وحدها. فإما أن تستمر في نصف عملية تفتيت الطعام، أوترمي بالمهمة علي أعتاق جيرانها من الضروس، أو أن ألجأ أنا الي عملية"زلط" أو "بلع الأكل" دون تفتيت وكأنما رضيت بالوضع والهزيمة وقبلت الأكل صلبا "مزلوطا" كما هو.

استمرت المعركة الغير المتكافئة بين أنصاف الضروس وما يقدم لها من طعام إلي قرابة السنتين تحولت فيها الأنصاف الي أهزل مايكون وتورّمت فيها اللَثة الحاملة لتلك الأنصاف إلي أن توجهت إلي طبيب آخر مستغيثا طالبا الدعم للتصدّي الي هذا الطعام الذي لا يكل ولا يتعب ولا يجد بُدّا الا من فمّي لاستكمال معركته الضارية. وكان رأي الطبيب الاستراتيجي صادما، فكان رأيه الاستسلام نهائيا لتلك المعركة والاستغناء عن تلك الأنصاف التي لاحيلة لها، ثم الاستعانة بامدادات أخري وزرع ضرسين كاملين مكان تلك الأنصاف كي نداهم الطعام بغتة ونبدأ معركة جديدة متكافئة تكون فيها الضروس نِدّا قويا قادرا علي المثابرة ولا تجد في الاستسلام سبيلا كما فعلت سابقتيها من قبل. وهذا بالفعل ما قررناه، وهأناذا أكتب ذلك القرار وأنا في لحظات استسلامي التام فاقدا ضرسين كاملين تاركا كل المجال للطعام مستعينا بما تبقي من ضروس وهذا الانسحاب الاسترارتيجي منتظرا الجنود الجدد بعدما هلكت تلك الأنصاف.

ما تعلمته وتأكدت منه فعلا خلال هذه المعركة الطويلة أن بالفعل "اللعنة علي الأنصاف" فإما أن تحوز الشئ كله أو تستغني عنه كله، فلا معني "لنصف الحل" تماما "كمعاهدات السلام" المزعومة فإما أن يتخلي الطرف المعتدي عن حقوق المعتدي عليه ويعلن انسحابه .. إما أن يكمل الطرف المعتدي عليه المعركة الظالمة التي بدأت رغما عنه. ولكن لا معني لتلك المعاهدة أو لزميلاتها الوهمية. ولا معني أيضا لكلمة"ربمّا" فإما أن تقدم علي فعل الشئ أو تستغني عنه نهائيا ولاتعينه اهتماما زائفا، فالاهتمام إما أن يكون اهتماما بالشئ لانجازه أو اهتماما يشغل جزءا من الفكر فيضعف تركيزك في اهتماماتك الأخري الأكثر أولوية فهو يضرّك أكثر إن تُرك ليشغل جزء من الفكر الغير الهادف.

وأكثر ما يُحزن ويُضعف من شخصيتك ويساعدك علي التحول الي ذلك النصف هو "نصف التجربة" فبنفس المنطق التجربة إما كاملة، وإما لا تستحق العناء. إذ لا معني أن تسلك طريقا قاصدا مكان ما، ثم تقرر الوقوف في منتصف الطريق لأنك تعبت، أو وجدت أن الطريق شاقة محالة العبور، أو أن تشعر أن المكان المقصود لا يستحق عناء الطريق، كلا .. كل هذه المبررات هي فقط مبررات لتبيح استسلامك أمام نفسك، تلك المبررات هي التي تأكل من رجولتك شيئا فشيئ حتي تصبح جزءا .. فنصفا .. فأقل من نصف. في حين أنّك إن أكملت الطريق التي سلكتها منذ بداية الرحلة وقاومت مشقتها وتغلبت علي تعبك واستعنت بزادك علي الطريق حتي وصلت الي مقصدك أدركت حينها نجاحك، أدركت تهذيبك لنفسك وساهمت في تكوين الرجل الحقيقي الذي تتمناه.

إن كنت قد تعلمت شيئا فعلا في رحلتي القصيرة، فيكون أكثر ما تعلمته هو أنه لا توجد تجربة ضائعة، فأي تجربة تفيد بشرط أن تكون كاملة، أي تجربة تساعد علي تمهيد الطريق بينك وبين نفسك، أي تجربة تساعدك في الوصول الي أسمي صور الرجال، أي تجربة تضيف إاليك عتادا تحتاجه في التجربة المقبلة ويعينك في التعامل مع الأنصاف وتقويمهم كما يجب. فلا ترضي أبدا بأنصاف الأشياء، ولا تخوض تجربة غير كاملة ولاترضي بأنصاف الحلول. فأنت رجل، وُجدت لتكون أصلا كاملا وليس نصفا حائرا لا يقوي علي التمييز ويشغل نفسه بالعبث، وأصلا بجانب أصل نستطيع أن نجد أملا وأن نجزم بتحسين أوضاعنا الشخصية، فأسرنا، فعائلاتنا، فبلدنا، فوطننا يوما ما .. وذلك حينما نتخلي عن أنصاف الأشياء.

النصف الوحيد الذي أنصحك بالتمسك به، هو نصف الفرصة .. فنادرا ما تجد فرصة كاملة،دورك كأصل كامل أن تجعل من نصف الفرصة، طريقا جديدا، وتجربة فريدة تستحق العناء. وتذكر إن الفرص لا تتكرر، قد تأتي إليك فرصة أخري أو نصف فرصة ولكنها لن تكون حتما نفس الفرصة الضائعة، فاستعن دوما بربك وبالأسباب التي وهبك اياها كي تكون رجلا لتختار الفرصة المناسبة وتحصل منها علي أفضل تجربة وتتعلم أسمي ما يمكن من دروس أو أنصاف ضروس ..عفوا .. أنصاف دروس .. وتذكر دوما المثل الشعبي الشهير "قَطْمُهُ أحسَن مِن بَرْيُّه" .. نقطة.



أحمد صلاح
2/5/2013

تعليقات

المشاركات الشائعة