نهارك سعيد

نهارك سعيد ..





استيقظ عمر من نومه العميق الذي استغرق الكثير من الوقت ليجد حوله الظلام الدامس والسكون المريب الا من أصوات حديثه الدائم مع نفسه..كان السكون يوحي بأن الساعة قد تجاوزت الثالثة صباحا وكان الظلام يؤكد أن الليل علي وشك توديع أنفاسه الأخيرة.

كانت هبة الله لا تزال نائمة في تلك الحجرة المظلمة علي سريرها الأبيض المكتظ بالوسائد البيضاء الناصعة، وعلي مايبدو من ثقل نومها الذي فضحه غطيطها المتواصل بصوت عال أنها لاقت يوما طويلا بالجامعة.
اسغرق عمر برهة من الوقت ليدرك أين هو، فما لبث أن تأكد أنه في المنزل حينما استشعر سريره أسفل منه وارتاح قلبه بعد غيبة طويلة عن العالم في نومه العميق.

أخذ أبانوب نفسا أخر من جوزته المنزلية ثم صاح علي زوجته يذكرها بفنجال الشاي الذي انتظره طويلا في شرفته الخلفية الملحقة بمنزله المتواضع المطل علي أرضه الصغيرة مركزا عينيه علي القمح من أمامه منتظرا ابنه يعقوب ليشق طريقه بين تلك العيدان الطويلة ليأخذه في حضنه بعدما غاب شهرا كاملا في كتيبته القابعة في سيناء علي الحدود.

بعد دقائق ليست بالكثيرة، دهش عمر فجأة حين تذكر أنه كان في "ميدان رابعة" معتصما مع غيره من الشباب ولا يذكر اطلاقا أنه قد فارق الميدان ليلة أمس ملتمسا راحة أو وجبة ما .. أخذ يحدث نفسه ويتعجب ما الذي أتي به الي منزله، متي ترك الميدان وعاد الي المنزل، بل كيف جاء الي المنزل أساسا .. أخذ يعصر ذاكرته في محاولة بائسة لاستذكار ما حدث ليلة أمس، لكن بلا جدوي فكان آخر ما جادت به ذاكرته أن تذكر أنه صلي الظهر هناك في جماعة كعادته منذ أكتر من شهر.

أنهي يعقوب تسريح الاجازة الخاص به بعدما بدل زيه الميري الترابي اللون بقميصه الأبيض وبنطاله الجينز وفتح حقيبته الصغيرة التي استلمها من العسكري بقسم الأمانات ليخرج ساعته الجلدية التي كانت هدية والده العام قبل الماضي مباركا اياه في ميلاده العشرين وقلبه كل شوق ليفاتح أبيه في موضوع آمال .. تلك الصبية جارته ذات الثماني عشر ربيعا الي استحوذت علي قلبه وعقله منذ أكثر من عام.

أخذت هبة الله تغط في نومها وهي تتقلب علي سريرها من شدة الارهاق وتصحو فقط لتغير من وضعية نومها الي أخري أكثر راحة متثائبة من حين الي آخر.

بينما هو راقد علي ظهره في سريره، ظل عمر يبحث عن تليفونه المحمول ليهاتف خطيبته ليطمئن عيها، تلك التي لايذكر أنه حادثها اليوم لكثرة نومه ولكنه لم يستطع أن يستدل علي هاتفه في الظلام ولم يسعفه اعياء جسده ليقوم ويبحث عنه، فقرر أن ينادي علي أمه أو أخيه الصغير محمد الذي اعتاد السهر في تلك الأيام من الأجازة. أخذ ينادي كلاً منهما ولكن علي مايبدو أنهم كانوا نيام، فلم يجبه أحدا منهما علي الرغم من علو صوته.

هنا فقط تثاءب يعقوب مصدرا ذلك الصوت المعترض..

- تؤتؤتؤ .. ايه يا بِلد الدوشة دهي، ماحناش عارفين ننام.
- لامؤاخذة يا ريّس، ثم تنبّه .. أنت مييين ؟؟؟!!
- هاكون مين يعني، زميلك في الكتيبة التانية يعقوب أبانوب.
- كتيبة ايه يابلادينا؟ أنت فاكر نفسك فين.
- هاكون فين يعني، سيبني أنام ياوٍلد ساعتين أمال قبل ما الأتوبيس يوصل المحطة، أنا لسة مشواري ياما. أنت فاكر الناس كلاتها من بحري زيّيك.
- بحري ايه وغربي ايه، يابني أنت في بيتي .. أنا عايز أعرف ايه اللي جابك هنا؟
يعقوب معترضا: يا ليلة مابينلها نور .. بيتك ايه يا سيّد، أنت مفكر نفسك فين. باينله كده الصول قدري جابلك لُطف.
عمر غاضبا: باقولك ايه، أنا مش ناقص غلبة .. أنا بقالي شهر مابنامشي غير تلات أربع ساعات في اليوم، من الشغل للميدان للبيت. فامتوجعش قلبي، أنا اللي فيّا مكفيني! أنت مين، انجز؟

تثائبت هبة الله علي أثر صياح عمر واستيقظت بنصف جسدها لتستكشف ماحولها، ولكن ظلام الغرفة حال بينها وبين رغبتها فمالبث أن تراخي جسدها ثانية علي سريرها الأبيض لتستغرق في نومها مرة أخري.

أخذ يعقوب يفكر في كلام عمر ويتفكر في هذا الموقف الغريب، فكل مايريده هو أن يعود فقط الي أبيه وأمه وحبيبته، فما هذا الذي يحدث حوله ومابال هذه المناقشة الغريبة مع هذا الشخص الذي لم يره من قبل، وما هذا الميدان الذي يقصده، فما أكثر الميادين في الأوقات الأخيرة، قطع عمر حبل أفكاره وهو يصرخ..

- يابني أنت مين، أنت مين .. وايه اللي جابك هنا، رد عليّا ماتعصبنيش.
- هدِّي نفسك أمال كدة، أنا مابقتش فاهم أيتها حاجة، اسم الكريم ايه؟
- احنا لسة هنتعرف، اسمي عمر يا سيدي.
- وأنا اسمي يعقوب، بص يا افندي، أنا آخر حاجة فاكرها اني كنت راكب أتوبيس الجيش رايح عالمحطة لاجل ما أروح علي بيتنا .. وبعدين ميدان ايه ده عدم اللامؤاخذة اللي بتتكلم عنه؟
- كلام جميل قوي، بس ايه اللي جاب الجيش للأتوبيس لهنا، أنت هنا في مصر الجديدة، يعني في القاهرة .. أنت كدة تايه، بس ازاي جيت هنا برده .. أنا هاتجنن !!
- أنا ممكن أتوه آه مش عيب، بس الموضوع كدة فيه حاجة عجيبة .. قوللي طيب أنت مش فاكر خالص انك شفتني وأنا جاي هنا؟
- لأ طبعا .. استني !! أنا نفسي مش عارف ازاي جيت هنا، أنا آخر حاجة فاكرها اني كنت باصلي الضهر في الميدان.
- ميدان ايه؟
- ميدان رابعة العدوية .. أنت ازاي مش عارفه؟
- عارفه يافندي .. بش اللي مستغربله أنك كنت بتصلي هناك، أنت أكيد تقصد ميدان تاني.
- لأ أكيد هو أنا مش عارف أنا كنت فين
- يا بِلد الميدان مافيهش حد أديله يومين من ساعة ما الجيش فضّه من الارهابيين اللي كانوا قاعدين فيه وجايبين حبايبهم من حماس وغيره ومخزنين أسلحة ياما هناك .. الحمد لله ان الجيش قدر يفضه قبل مايئذوا حد، دي عالم ماتعرفش ربنا.
- ارهابيين ايه بس، وبعدين أنت جبت الكلام ده منين أنا كنت لسة في الميدان الضهر. وبعدين بطّل تقول كلام وخلاص. أنت ماتعرفش الناس اللي هناك دي عاملة ازاي.
- أنا الكلام ده مش جايبه من نافوخي، ده جايبه من الكتيبة حدانا، وهم بيقولوا ان الميدان مليان ارهاب وأسلحة ياما .. ولا هتعرف أكتر من الجيش .. بس أنت ازاي ماتوعاش أنهم فضوا الميدان .. والنعمة زي مابقولك كدة.

- غريبة !! قالها ثم حاول الوقوف للوصول الي مفتاح النور ليري بوضوح وجه يعقوب هذا الذي يحادثه منذ نصف الساعة، ولكن شيئا ما منعه من الوقوف .. فأخذ يتحسس قدميه محاولا تدليكهما اثر ماوقع بهما من خدر، ثم صاح مذهولا !!

- رجلي، رجلي راحت فين .. أنا مش لاقي رجلي. أنت مين وعملت فيا ايه؟
- والنعمة ماعملت حاجة، استني كلها دقايق والدنيا تنور ونشوف ايه المصيبة اللي احنا فيها دهي، أنا سامع صوت العصافير برة اهه.

أخذ عمر يستغفر ربه ويردد بعض الأذكار ويسأل الله أن يلهمه الصبر علي هذا الموقف الغريب الذي حل به.
ما هي الا دقائق حتي أخذت الشمس ترسل أولي أشعتها لتفضح شروق اليوم الجديد وتكشف عن وجه هبة الله الباسم ثغره والهادئة ملامحه وهنا صاح يعقوب:

- مين البنت دي كمان اللي نايمة اهنه؟ هو احنا فين .. ايه اللي بيحصل ده !؟
- بنت مين .. ايه ده، دي رقبتها متعورة جامد .. ألطف يارب. لا حول ولا قوة الا بالله .. أنت كمان ازاي عايش!! أنت دماغك  .. دماغك زي ماتكون مخرومة .. زي ماتكون واخد طلقة. استغفر الله .. اسغفر الله .. استغفر الله. ايه اللي بيحصل ده، أنا اتجننت ولا ايه.

أخذ يعقوب يحرك أصابعه ليتحسس الجرح الذي أشار اليه عمر، ليجد اصبعه بالكامل ينفذ في جبينه وهنا صرخ:
- يابوي .. ايه اللي حصلنا ده. بعدين أنت كمان .. أنت كمان رجلك ..
-مالها رجلي؟!
- أنت مش حاسس !! رجليك الاتنين مش فيك ومرمين هناك جمبك .. والبنت دي مين عورها كدة، هو ايه اللي بيحصل .. احنا فين .. حلم ده ولا ايه.

- استني استني .. أنت بتقول أنهم فضّوا الميدان من يومين، أنا آخر حاجة فاكرها اني كنت باصلي ومرة واحدة سمعت ناس بتجري وستات بتصوت وصوت ضرب نار عالي .. تفتكر .. وهنا قاطعه يعقوب
- أفتكر ايه؟ ولو أنت كنت هناك في رابعة وصابك اللي صابك، أنا مالي، أنا ماعتبتش هناك. أنا كنت راكب الأتوبيس رايح عالمحطة ومافيش ربع ساعة ورحت في النوم من التعب، وشوية حسيت الأتوبيس وقف، قلت أكيد السواق بيغير العجلة ولا حاجة. ايه ده ايه اللي علي ايدي ورجلي ده !! ده حبل !! مين ربطني كدة !! ومين اللي أنا مربوط فيه ده؟!
- مربوط فيه، فين ده .. اه، ايه ده !! ده مضروب زيّك بالظبط، لا حول ولا قوة الا بالله !!
- ده .. ده معتز دفعتي، هو كمان.. هو أنا كدة.. !؟ طيب ليه، أنا عملت ايه يا رب .. منهم لله الكفرة.

- بس ماتقولش كدة، أكيد مسكوا اللي عمل كدة .. مسير الحق يظهر وأكيد بعد ما أنا وأنت رحنا هدر، الناس هتعرف الحق فين وهيعرفوا أن قادتكم كانوا بيضحكوا علي الغلابة اللي زيّك ويوهموهم اننا ارهابيين، والناس تعرف اننا كنّا علي قضية. أكيد دمنا ده هيبقالوا معني .. الحمد لله علي الشهادة، أنا كدة اطمنت اني كنت سبب ان الناس فاقت وعرفت الصح من الغلط ولو علي حساب حياتي وجوازتي اللي ماتمتش وأهلي اللي سيبتهم .. الحمد لله. كويس أنهم اتعلموا .. الحمد لله ..

- أنت في ايه ولا في ايه بس، أنا كان نفسي أشوف أبويا وأحكيله وأطلب موافقته علي جوازي .. زمانه قاعد في المنظرة مستنيني .. يا تري مين يبلغه خبري، ياتري هايتحمل .. والبنت المسكينة دي هتعرف كيف، هاتعمل ايه بعد ماوعدتها بالجواز ومارجعتش ..

- ماتعملش في نفسك كدة .. مافيش رجوع خلاص. أنت كمان مالكش ذنب و البنت الصغيرة دي كمان، لا اله الا الله .. أنا متأكد بعد ما اللي زيّك وزيّي راحوا كتير الناس هتفوق وتبطل اختلاف وتعصّب بقي .. ربنا يصبّر أهالينا وأصحابنا ويفتكرونا بالخير دايما..

هنا فتحت هبة الله عينيها وحاولت القيام ونظرت لهما نظرة طويلة، ثم قالت باسمة:
-
-
- نهاركم سعيد :)


 الفاتحة والدعاء لكل الأموات .. ماتنسوهمش

أحمد صلاح
26/08/2013 


تعليقات

المشاركات الشائعة