إلي أبي
إلي أبي..
كان جالسا كعادته بعد صلاة العشاء في شرفته الملحقة بغرفة النوم يردد بصوته العذب بعض آيات القرآن، يستذكر ما حفظه قديما مبتهجا بما يرسله جو الليل الدافئ من نسمات الهواء التي تداعب جلبابه الأبيض الذي لم يخلعه بعد، منتظرا ما تعده زوجته من طعام ليأكلا سويا كعادتهما، سارحا في السماء متظاهرا ولكن حقيقة في أعماق نفسه يردد سؤاله المعتاد الذي لا يسأله إلاه ولا يجيبه أيضا أحد سواه، "أتراني بعد هذا العمر الطويل قد أديت رسالتي؟، أتارني قد أحسنت صنعا فيما مضي؟"...هذا هو أبي كعهدي به حين تركته منذ ثلاثة أشهر للحاق بقطار الرزق.
راودتني هذه الأسئلة فقط اليوم في حنين الي أبي وأمي وأسرتي وأصدقاء كثر تركتهم فقط لثلاثة أشهر مرّت كأنما مرّت سنوات لي من قبل. تذكرت ما سرّ وطاب من مواقف لي مع أبي، تذكرت قديما كيف عاقبني رابطا علي قلبه ليصنع منّي رجلا صلبا أتحمل ما تجوده الحياة من صعاب، تذكرت كيف أمرني دائما بالصلاة والقرآن، تذكرت كيف ضحكنا كثيرا بعدما أصبحت يوما الرجل الذي ساهم كثيرا في بناءه، تذكرت ضحكاته التي تطغي علي من يراه باسما وتجبره علي الضحك وتضفي علي الجو العام بهجة من نوع خاص .. من نوع أبوي، تذكرته غاضبا ثائرا علي ما تقرأه مذيعة نشرة التاسعة وتذكرتني صامتا أنظر اليه أخشي عليه من تعب أو انفعال، تذكرته في مواقف كثيرة لكل منها حلاوة وأثر ما في صدري.
ولكن كان أكثر ما جال بفكري وخاطري وأنا أذكره يوما أخبرته فيه أني مسافر بعد أيام لتلبية نداء السعي خلف الرزق، رأيته باسما ضاحكا ناصحا كما اعتده بل ويصبّر أمي التي ما لبثت تردد أسئلة من نوعية أسئلة الأمهات المصريات، رأيته في أعماق نفسه يتذكر أخي الأكبر الذي سافر منذ شهر وها أنا أخبره بسفري، رأيته يضحك وينصح في ظاهره ولكني أيضا رأيته دامعا حزينا في داخله مما قضاه من عمر يصنع رجالا يفارقوه آخر المطاف وان كانت مفارقة وقتية، رأيت احساس وشعور الأب الذي نسيته كثيرا عندما ثرت وظننت أن أبي يحرمني حقا ما من حقوق الشباب الغير مسؤول حينها.
وكان أكثر ما أسعدني وجعل ثغري ينطلق بابتسامة لم أعتدها يوما هو اجابة السؤال الدائم لأبي، نعم أبي أديّت رسالتك، بل وعلي أكمل وجه، أبي صنعت مني رجلا تفتخر به دوما، أَعلمُ أنك تذكر أياما كأيام الحرب وقد أوشكت علي الاستشهاد أكثر من مرة ولم تفكر حينها بأن الله قد يرزقك بزوجة كأمي وأبناء خمس يتعجب الناس من تربيتك الفاضلة الصادقة لهم، نعم أبي أفتخر أنك أبي، نعم أبي يغار الناس منك علي ما صنعت، نعم أبي تعلمت منك الصبر دوما علي ما رأيته فيك في مواقف لا تتطلب الا البكاء وكنت واقفا أنت حينها كالصخر تنصح وتفعل بهدوء، نعم أبي تعلمت منك الكرم والحياء وحسن الخلق، نعم أبي تعلمت منك بل رأيت فيك كيف أصبح رجلا ولطالما رجوت من الله دوما أن أصبح مثلك أو لربما جزء منك.
أبي انها أيام قليلة تبعدني عن حضن منك...ياااه، لكم أشتاق الي حضن لطالما خشيته صغيرا، واكتشفت شابا أنه أحن حضن قد يحوزه المرء يوما، لكم أشتاق الي حضنك الأن يا أبي، لكم أشتاق الي صلاة خلفك، لكم أشتاق الي قبلة فوق يديك الحنونتين أعترف بها بجميلك الذي مالبثت وأدركت أنه أكبر جميل أهداه لي أحد يوما، لكم أود أن أقول لك كل ما قاله ابنا لأبيه يوما تقديرا وعرفانا...أبي أشهد الله أني فخور بك، وأشهدك ربي أن ما بي من نجاح وحسن خلق هو بعد فضلك فضل هذا الرجل الذي كتبته لي أبا وكرّمتني به صاحبا وناصحا، أسألك ربي أن ترزقني رفقته في جنتك ولا تحرمني منه أبدا، أسألك ربي أن تجزيه خير ما جازيت أبا عن ابنه، أسألك ربي أن تمد لي في عمره حتي أقضي السنوات محاولا خدمته كما أنفق من عمره طويلا ليجعلني ما أنا عليه الأن.
أراكِ أمّي تغبطين هذا الرجل وأنا أوفيه حقه أو بعضا منه، ولكن أمي لا تغاري فمحبتك في قلبي أنتِ تعلمنيها ولطالما صارحتك بها...ولكنّي ما تجرأت يوما وقلت مثل هذا الكلام، فيا أمّي اعلمي أن للأب مكانة وحب لا يدركهما المرء الا عندما تفاجئه الحياة بمقدوراتها.
أحبك أبي ... أحبك يا أمي!

أحمد صلاح
17/12/2012

.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق